ابراهيم بن محمد البيهقي
254
المحاسن والمساوئ
أخالف أمرهم . فقال الرحل : أكذا يا عيسى أنت الضامن على ما قال الخليفة ؟ قال : نعم . قال : اللّه ، حتى قالها ثلاثا . قال : وأقيمت الصلاة فافترقنا ، فلمّا صلّينا طلب الرجل فلم يوجد فكانوا يرون أنّه الخضر ، عليه السلام ، أو ملك أرسل إليه . وحكي عن الحجّاج قال : حججت فنزلت ضريّة فإذا أعرابيّ قد كوّر عمامته على رأسه وتنكّب قوسه وصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس إنّما الدنيا دار ممرّ والآخرة دار مقرّ فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ، أمّا بعد فإنّه لم يستقبل أحد يوما من عمره إلّا بفراق آخر من أجله ، فاستصلحوا لأنفسكم ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه وراقبوا من ترجعون إليه ، فإنّه لا قويّ أقوى من خالق ولا ضعيف أضعف من مخلوق ولا مهرب من اللّه إلّا إليه ، وكيف يهرب من يتقلّب في يدي طالبه ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ آل عمران : 185 ] . وقال بعض الأعراب : إنّ الموت ليقحم على الشيب تقحّم الشيب على الشباب ، ومن عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن فيها على بلوى ، ولا طالب أغشم من الموت ، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه ، ومن وكّل به الموت أفناه . وقال أعرابيّ : كيف تفرح بعمر تنقصه السعات وسلامة بدن معرّض للآفات ؟ ولقد عجبت من المؤمن يفرّ من الموت وهو سبيله إلى الثواب ، ولا أرى أحدا إلّا سيدركه الموت وهو منه آبق . وقال عتيق بن عبد اللّه بن عامر بن الزبير : كنت عند سليمان بن عبد الملك فدخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال : يا أمير المؤمنين بالباب أعرابيّ له حزم ودين ولسان . فقال : يؤذن له . فلمّا دخل قال له سليمان : تكلّم . قال : يا أمير المؤمنين إني مكلّمك بكلام فاحتمله إن كرهته فإنّ وراءه ما تحب . قال : يا أعرابي إنّا لتحتمل عمّن لا ينصح وأنت الناصح جيبا والمأمون غيبا . فقال : أمّا إذ أمنت بادرة غضبك فإني سأطلق من لساني ما خرست عنه الألسن تأدية لحقّ اللّه جلّ ذكره ، وحقّ إمامتك يا أمير المؤمنين إنّه قد تكنّفك قوم قد أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في اللّه ولم يخافوا اللّه فيك ، حرب للآخرة سلم للدنيا ، فلا تأتمنهم على ما ائتمنك اللّه جلّ وعزّ فإنّهم لا يألون للأمانة تضييعا وللأمّة خسفا وعسفا ، وأنت مسؤول محاسب على ما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإنّ أعظم الناس غبنا بائع آخرته بدنيا غيره ! فقال سليمان : يا أعرابيّ إنّ لسانك لأقطع